|
حفنة من الممثلين رسموا لنا الشعب السعودي بالشعب الأهبل هكذا قالها لي مراقب مصري في التلفزيون السعودي ووقعت علي العبارة كجبل من الجليد بملامح باردة وبكلمات صفراء لم تسبقها الجمل الاعتراضية التي عادة ما تكون "عفوا ... اسمح لي ..." والتي تلطف جو النقد اللاذع ، فكب على رأسي أطنان من الجلاميد والصخور وبشعور خالجني بأن ما قاله ما هو إلا الحق فألزمني الصمت وتقبلت الشتيمة بصدر رحب.
وتأملت جملته ، وعدت لها ، وعرجت فيها ، فكانت كلماته صادقة ومنطقية ولم تكن أبدا شتيمة وكانت بدا مما لا بد منه ، وأردت أن أثأر لكرامة الشعب السعودي فشنعت عليه "الليمبي" و "بوحة" فاستطال وجهه ضاحكا وقال الليمبي وبوحة يصوران مواطن أهبل وسط سبعين مليون مواطن ولا أزكيهم من الهبل والعبط ، ولكن توجد في مصر دراما تحمل معايير أخرى عكس الليمبي وبوحة ، وضروب من الفن تطرقها السينما والتمثيليات والمسلسلات المصرية تصور قضايا ودراما مختلفة بينما الدراما السعودية وإن كنا نرفرف حول هذه الكلمة بدون وجه حق والأصح أن نقول الكوميديا السعودية لم تخرج لنا إلا "ستف" من المهرجين من كبيرهم إلى صغيرهم مثل مسلسل "بيني وبينك" فكل واحد عاوز يهرق ومش عارف ازاي يهرق؟ فالكوميديا كأبسط تقريب لها عنصر جاد محاط بالكوميديا ويبقى المضمون جادا دون تشويه ومسرحية "العيال كبرت" مثال قريب إلى ما أقول فتجد العناصر الأب "رمضان السكري" على سبيل المثال عنصر جاد بحكم السن والمكانة الأسرية بينما "سلطان" رغم أنه رجل راشد إلا أنه يمثل الأبن الطائش الذي لا يعي لتصرفاته و "عاطف" الابن الساذج قليل الذكاء ، وتقسيم الأدوار بينهم يعطي نوع من الكوميديا الواقعية التي لا تشعر أن هناك تكلف أو تصنع فيها بل تشعر بأريحية في التعامل مع الموقف لأنهم طبعوا في ذهن المشاهد شخصيات متعددة تشارك كلها في بناء حبكة كوميدية جميلة ، فقاطعته قائلا مثل مسرحية "عودة حمود ومحيميد" ، فضمها إلى استشهاده وقال تماما مثلها.
ثم بدأ بالصعود بتاريخ الدراما السعودية ، وخرج إلى بيضة الديك الفيلم السعودي "كيف الحال؟" وقال الجد الذي اسمه "خالد سامي" يتصرف كمراهق سبعيني في دور غني عن التهريج ، واسم الفيلم لا يطابق مضمونة والفيلم لا يشكل إلا عادات وتقاليد الشعب السعودي – ان صحت التسمية- ولا أجدها تمثل الشعب السعودي في شئ وإنما ثورة على عادات هذا الشعب تخرج بشكل فيلم بأسلوب متكلف غير منصف ، ومع ذلك لم أجد هدفا للفيلم إلا أنه يحكي قصة عادية خالية من الدراما الاجتماعية السعودية والقصة كلها شاب يحب شابة والسلام ، وشعرت للوهلة الأولى أن الفيلم معد لرفع ضغط المجتمع السعودي ولا يهدف إلى العالمية ، فأكثر الأفلام التي أعجبتني في السينما السعودية إن كان هناك باع لها في هذا الفن هو الفيلم الوثائقي لتاريخ الملك عبدالعزيز حين فتح الرياض ، وغيرها من الأفلام لم يجد صدى أو حقق شيئا للسعودية.
راقني الحوار معه كثيرا ، فهجمت عليه بمسلسل إذاعي وقلت له "طيب ومسفر ايه رأيك فيه؟" فاجتهم وجهه وقال "مين مسفر ده؟" فقلت بطل مسلسل إذاعي "غثنا" في رمضان، فقال "المسلسل الإذاعي البايخ ده؟!! اللي بيعيدوه كل مره في مسابقة الحلم في mbc" فقلت "أيوه" فقال :"هل هذا مسلسل يوضع للحوار في الأصل؟ وهل من الإنصاف ذكره أو التحدث عنه أو التلميح له ، مسلسل تافه واعلان مريض بكافة المعايير، وسقوط ذريع للدراما والكوميديا السعودية ، فليس من الانصاف أن يكون لمجتمع سعودي ، ولا أظن أن السعوديين يقبلوه ، فهذا المسلسل لم يحترم الكبير قبل الصغير ، فهناك قامات كبيرة ورجال في السعودية لا يمكن أن أتخيل أن هذا المسلسل الإذاعي ينطبق عليهم لا في الواقع ولا في الخيال ، إنهم مجموعة من المهرجين اعطوا لنفسهم الحق في التمثيل والتشنيع بالمجتمع السعودي تحت غطاء الكوميديا ، يا شيخ دول عاوزين مين يضربهم بالرصاص".
لم يسعفني الوقت لأخذ الحوار معه بالكامل ، وأجده انصفنا في الحدود التي يقبلها الطرف الليبرالي بعيدا عن انشودة الدين التي يقحموننا فيها حين نتحدث عن سفاسفهم ، وأخذت الشهادة من رجل في معترك هذا الوسط الدخيل علينا والذي لا يمثلنا فكان رأيه كما قرأتم امتعاض منهم ومن تصرفاتهم واستهجان لكل ساقطة من سقطاتهم ، وابتلونا بفن ليس لنا ولسنا منه ، وإنما هم والإعلام كـ "بنت هبلة مسكوها طبلة"
|